فتح الله الصائغ الحلبي

58

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي

حصل لكم من ضرر فأنا المسؤول عنه . فاستوثقنا من كلامه وأقر بهذا الكلام أمام الشيخ وجمع كبير من الحاضرين ، فركن قلبنا من طرفه وكثر أملنا وحالا عزمنا على الرحيل برفقته . فقال لنا الخوري موسى : يا أولادي ، الرأي عندي أن لا تأخذوا معكم كل رزقكم ، لكي لا يحصل عليكم طمع . فخذوا بعضه وأبقوا الباقي عندي ، فإن بعتوه واحتجتم إلى شيء من البضائع ، اكتبوا إلي واعلموني بالأشياء التي تريدونها ، وأنا أرسل بها إليكم . فرأينا أن هذا القول هو عين الصواب ، فأخذنا من كل صنف شيئا قليلا وحزمنا الكل ووضعناه في صندوق . وأما نوفل فإنه استأذن بالرجوع إلى بلده حمص ، فأعطيناه أجرة وافرة ووهبناه شيئا من المال « 27 » ، ثم استكرينا جمالا من أهالي القريتين ، وصباح اليوم الثاني ودعنا الأحباء ، وركبنا على الجمال ، وكان ذلك أول مرة نركب على جمل . وأخذنا ما يكفينا من الماء لأن الطريق من القريتين إلى تدمر لا يوجد فيها ماء . فسرنا إلى المساء مدة عشر ساعات ، وكان مسيرنا نحو الشرق . فنزلنا في أرض يقال لها الدّوة ، وكان بالقرب منها ، في وسط السهل ، برج عمارة قديمة يسميه العرب وأهالي تلك القرى قصر ابن وردان « 28 » . فهذا اسم كبير القوم الذين كانوا يقيمون في هذا البرج ، من طرف حكام الشام الأروام ، لكي يتنسموا أخبار العجم خوفا من أن يدخلوا بلادهم ويفسدوها . فلهذا السبب بقي اسمه قصر ابن وردان ، وهو من العمارة المتينة جدا ، على هيئة ما كان يبنى قبل ظهور البارود . فبتنا تلك الليلة وكان البرد شديدا ، واليوم الثاني قمنا ركبنا على الجمال قاصدين المسير . إلا أن الشيخ إبراهيم كان غشيما ويجهل كيف يكون الركوب على الجمل . فحين علا على ظهره قام الجمل بسرعة ، ووقع المسكين على الأرض مغشيا عليه وانخلعت رجله . فنزلت ونزل كل من كان معنا ، ورفعناه عن الأرض وربطنا رجله وأركبناه من جديد ، وسرنا على اسم اللّه . فبعد مسيرنا بساعتين فقط ، وإذا الغبار يتصاعد من صدر البرية آتيا نحونا . وفي قليل من الوقت كلمع البرق اقترب منا ستة رجال على الخيول مسديدين الرماح وقاصدين سلبنا . وما كان سلامة كسلان 2 / 15 فرمى الفروة / من على ظهره ، وأخذ رمحه بيده وطار مثل لمح البصر نحو القادمين ، حتى اقترب منهم وصار أمامهم . فوقفوا عندئذ وأخذوا يتكلمون مع بعضهم بعضا حصة قليلة ، ثم شنوا الغارة علينا مرة ثانية ، فلحقهم سلامة وقطع عليهم الطريق ، ووقعت الحرب بينهم وبين

--> ( 27 ) « بخشيش » . ( 28 ) هذا من أوهام الصايغ لأن قصر ابن وردان يقع شمالي شرقي حماة ، على نحو خمسين كيلومترا من هذا البلد . أما البرج الذي يصفه هنا فهو قصر الخير الغربي .